طوفان يغرق أوهام الكيان

لقد استطاعت المقاومة التخطيط للمعركة بدقة متناهية، لتنفذ عملية ناجحة عسكرياً واستخبارياً، والفشل الاستخباري لا يطال العدو الصهيوني وحده، بل كل الأجهزة الاستخبارية المؤيدة للعدو الصهيوني.

بقلم عماد الحطبة ـ كاتب سياسي أردني

غمرت نفوس أحرار الأمة حالة من الصمت المشوب بالحزن وهم يستمعون إلى أخبار العملية الإرهابية التي طالت ضباطاً خريجين في الكلية العسكرية السورية في حمص، كأن الزمن عاد بنا سنوات إلى الوراء عندما كنا نشيع شهداءنا الذين تطالهم يد الإرهاب في ساحات المواجهة مع المشروع الاستعماري الصهيوني وأدواته الإرهابية، لكن اليأس الذي كاد يتسلل إلى قلوبنا سرعان ما بددته أخبار فلسطين وعملية “طوفان الأقصى” التي نقلتنا جميعاً إلى حالة لم نعرفها من قبل.

إن كانت ذاكرة الطفولة لا تنسى مشاهد من حرب حزيران عام 1967، وخصوصاً عندما قصفت طائرات العدو منطقة جبل القلعة في عمّان، فإنَّ ذاكرة الشباب، رغم الحماسة، لم تستطع أن تتجاوز فكرة العمليات الفدائية الناجحة التي نفذها فدائيون مثل خالد أكر ودلال المغربي وعملية الخالصة وعملية ميونيخ وغيرها.

بعد أيار/مايو 2000، عندما كنت قد بدأت الكتابة في بعض الصحف، كان الصمود في وجه “الجيش” الصهيوني والهزيمة التي لحقت به في حرب تموز 2006 مادة منحتني الكثير من التفاؤل، فكتبت عن الصمود كمقدمة للانتقال نحو الهجوم والتحرير، وكنت أعتقد أنَّ الهدف هو نشر التفاؤل بين أبناء الأجيال القادمة التي ستقع على عاتقها مهمة التحرير.

اليوم، وبعد “طوفان الأقصى”، أدركت أنني لم أكن متفائلاً، بل كنت واقعياً من دون أن أدري. لعل ترددنا كان مرتبطاً خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، بعد كامب ديفيد 1978، وغزو لبنان 1982، وأوسلو، ووادي عربة. اعتقدنا أن التفاؤل يمثل أقصى ما يمكن أن نقدمه لقضايانا، فالحديث عن هزيمة عدو يتمدد عسكرياً وسياسياً واقتصادياً على أرضنا كان يبدو ضرباً من الخيال. كانت نقطة التحول في أيار/مايو 2000، لكن العدوان على العراق واحتلاله 2003 سرق منّا اللحظة.

أعادت المقاومة الكرة عام 2006، فجاء ربيع الصهاينة لينشر حالة من التشاؤم، وخصوصاً أنه استهدف محور المقاومة بمؤامراته وعدوانه. وسط هذا التجاذب، فقدنا إحساسنا بالواقع القائم على حقيقة أن قوة المقاومة تتعاظم، وأن هذه القوة هي أحد أسباب الهجمة الشرسة عليها وعلى محورها.

لعل صورة الشباب وهم يرفعون العلم الفلسطيني في مدينة اللد خلال معركة “سيف القدس”، كانت لحظة إدراك حقيقية لما بدأت المقاومة تحققه، لتأتي معركة “طوفان الأقصى وتقرر أننا أمام واقع جديد علينا جميعاً إدراكه والتعامل معه. 

وفي الجانب العربي، علينا أن نتصرف كمنتصرين، وأن نفاوض كمنتصرين، وأن نتحدى أعداءنا وعملاءهم من موقع المنتصر، كما أننا مطالبون بالتصرف من واقع أننا نخوض حرباً معقدة رغم أهمية الجزء العسكرية منها، إلا أنَّ الدعم الاقتصادي والإعلامي لا يقل أهمية عن الجانب العسكري. 

لقد استطاعت المقاومة التخطيط للمعركة بدقة متناهية، لتنفذ عملية ناجحة عسكرياً واستخبارياً، والفشل الاستخباري لا يطال العدو الصهيوني وحده، بل كل الأجهزة الاستخبارية المؤيدة للعدو الصهيوني، سواء الأميركية أو الأوروبية أو العربية، كذلك الحملة الإعلامية التي أغرقت مواقع التواصل الاجتماعي ونجحت في كسر خوارزمياتها، فانتشرت الصور والمقاطع المصورة التي شكلت حالة نشوة للجانب العربي، وفي الوقت نفسه ندبة في وعي المستوطنين، ودمرت أهم قاعدة وضعها الآباء المؤسسون للكيان.

لا شكَّ في أن كيان الاحتلال نشأ معتمداً على فكرتين؛ فكرة دينية مبنية على أسطورة أرض الميعاد التوراتية، وفكرة استعمارية مثلها وعد بلفور بإنشاء وطن قومي لليهود، ليكون في الحقيقة رأس حربة استعمارية في المنطقة.

التقت الفكرتان على قاعدة إنشاء كيان يتمتع بقوة خارقة ويقدر على حماية مستوطنيه وهزيمة أعدائه مجتمعين، بدعم الغرب الاستعماري الذي يعلن بمناسبة، ومن دون مناسبة، التزامه بأمن “إسرائيل” وضمانه تفوقها العسكري والأمني والاقتصادي على جميع جيرانها. 

لقد أثبتت “الدولة” الناشئة أنها قادرة على الوفاء بتعهداتها عندما هزمت العرب مجتمعين مرتين؛ مرة عام 1948، ومرة عام 1967. بهذه الانتصارات، أصبحت “إسرائيل” نقطة جذب لليهود الذين تركوا بلادهم وجاؤوا للتمتع بالرخاء الاقتصادي والحماية التي توفرها “إسرائيل” بضمانات أميركية وأوروبية.

استطاعت المقاومة في أكثر من مناسبة ضرب صورة الكيان المنيع و”الجيش الذي لا يقهر”، لكن الكيان كان يهرب دائماً من أزمته بارتكاب المجازر بحق المدنيين ومحاولة مقارنة أعداد الضحايا التي تميل دائماً إلى مصلحته، ويتكئ على الأنظمة العربية التي كانت تمنحه مهرباً بعد كل هزيمة من خلال تصاعد عمليات التطبيع بين الكيان والأنظمة الدائرة في فلك الاستعمار.

أما اليوم، فلم يعد ممكناً ترميم هذه الصورة، مهما بذل الكيان وداعموه من جهد. لن تُمحى من وعي الأجيال صور جنود الاحتلال وهم يساقون إلى الأسر بكل ذل، ولا أعداد الضحايا التي فاقت أي خسائر لحقت بالكيان خلال يوم واحد طوال تاريخه، ولا صور الطائرات وهي تنقل من المطارات بالشاحنات بعدما تقطعت السبل بمن يقودها وكادت تقع غنيمة بيد المقاومين، وكذلك دبابات “الميركافا 4” التي تعدّ فخر الصناعات العسكرية الإسرائيلية، والتي احترق العشرات منها من دون أن تتمكّن من إطلاق قذيفة واحدة.

كل هذا حدث على يد مقاومين محاصرين براً وجواً وبحراً منذ عشرات السنوات ويمتلكون أسلحة بدائية مقارنة بالجيش الصهيوني. لم تكسر معركة “طوفان القدس” أسطورة “الجيش الذي لا يقهر”، بل كسرت أسطورة “الدولة الملاذ” التي تحمي اليهود. 

طوفان اليوم دمر كل الأوهام التي قامت عليها مخططات المستعمرين وأحلامهم، فلا التطبيع ممكن، وإن حدث فهو لن يفيد بشيء، ولا كيّ الوعي العربي يثمر، فها هي الشوارع العربية تضج بالمحتفلين بالنصر، في مشهد يذكرنا بتموز 2006، والاتصالات التي يجريها بلينكن مع وزراء خارجية الدول المتورطة بالتطبيع ليست قادرة على تغيير خطط المقاومة. 

هذا الزمان زماننا، نحن المؤمنين بأن ثمن المقاومة أقل من ثمن الاستسلام، وأن الكرامة أهم من العروش الكاذبة والمناصب الكرتونية. إنه زمن المقاومة.  

المصدر : الميادين