القمة العربية الصينية.. شراكات اقتصادية وتحالفات مؤجلة

بقلم شاهر الشاهر ـ أستاذ الدراسات الدولية في جامعة صن يات سينء الصين

لا تزال الصين في سياستها الخارجية تطبّق رؤية الرئيس الصيني الأسبق دينغ شياو بينغ الذي نصحهم حينذاك بالعمل بصمت وتجنّب لفت الأنظار، وصولاً إلى هدفهم الذي يسعون لتحقيقه. هذه الحكمة شكلت منهج عمل للسلوك السياسي الصيني في العقود الماضية. واليوم، وفي ظل ما تعانيه الصين من تراجع في النمو الاقتصادي الذي خلفه انتشار (كوفيد (19 وسياسة “صفر كوفيد” التي طبقت طوال سنوات، تتجه الصين إلى كسر طوق العزلة وعودة الانفتاح على العالم، تمهيداً لتأمين الأسواق اللازمة بعد عودة عجلة الإنتاج إلى العمل في “مصنع العالم”، الذي خلف توقّفه وسياسات الإغلاق المتّبعة آثاراً كبيرة على الاقتصادات العالمية التي بدأت تهاجم “سياسة صفر كوفيد” التي أثرت في مواطني تلك الدول وزادت من الضغوط الاقتصادية التي يعانونها، ووصلنا إلى درجة تدخل صندوق النقد الدولي في السياسات الصحية المطبقة في الصين وانتقادها.

لذا فقد كان مفهوماً ازدياد الهجمة الإعلامية على بكين، التي توّجت بتضخيم الاحتجاجات التي جرت في البلاد وعلى نحو كبير. لكن الاستجابة الحكومية لمطالب الناس كانت بمثابة الضربة القاضية لمحاولات تأجيج الفتنة وإشعالها. لتثبت الحكومة الصينية للعالم مرةً أخرى أن الحكومة القوية هي التي تكون قادرة على الاستجابة للمطالب الشعبية وتلبية ما أمكن منها. واليوم، تتجه الأنظار إلى الزيارة التي يجريها الرئيس الصيني شي جين بينغ للعاصمة السعودية الرياض لعقد 3 قمم هناك: صينية سعودية وصينية خليجية وصينية عربية.  وتولي الصين تلك الزيارة أهمية كبيرة، وقد بدأ الإعداد لها عند زيارة وزراء خارجية كل من السعودية والبحرين والكويت وسلطنة عمان لبكين في بداية هذا العام. 

العلاقات العربية الصينية علاقات تاريخية متجذرة تعود بداياتها إلى أكثر من 2000 عام قبل الميلاد، عندما كان طريق الحرير شريان التجارة بين العرب والصين. وفي عام 2004 أسّس “منتدى الحوار الصيني العربي” بين الصين وجامعة الدول العربية. وفي عام 2013، عندما طرحت بكين مبادرة الحزام والطريق كأضخم مشروع إستراتيجي في التاريخ، كانت الدول العربية هدفاً له، إذ انضمت الدول العربية جميعاً إلى هذه المبادرة باستثناء الأردن وفلسطين. تأتي هذه الزيارة في ظل تطورات شهدتها الساحة الدولية، بدءاً من الانسحاب الأميركي من الشرق الأوسط، مروراً بالحرب في أوكرانيا وانتهاء بالتوترات الصينية الأميركية، في ظل سعي الأخيرة لاحتواء الصين بوصفها العدو الإستراتيجي للولايات المتحدة وفقاً لإستراتيجية الأمن القومي الأميركي التي أقرت أخيراً.

بكين من جهتها ترى المنطقة العربية مهمة لها جيواستراتيجياً، بسبب وقوع طرق التجارة فيها. وكذلك بسبب احتوائها على مصادر الطاقة، خصوصاً أن بكين هي المستهلك الأكبر للطاقة في العالم. ففي عام 2013 تفوقت الصين على الولايات المتحدة باعتبارها أكبر مستورد للنفط الخام من الشرق الأوسط. ومنذ عام 2017 أصبحت الصين أكبر مستورد للنفط الخام في جميع أنحاء العالم، ومن المرجح أن يمثل الشرق الأوسط 70% من احتياجات الصين من الطاقة بحلول عام 2030. لقد سعت بكين لتنويع مصادر الطاقة، فوقّعت عام 2021 اتفاقية إستراتيجية مع إيران بقيمة 400 مليار دولار مدتها 25 عاماً، ووقّعت كذلك قبل أيام اتفاقيّة لشراء الغاز القطري مدتها 27 عاماً، وهي الاتفاقية الأطول في تاريخ صناعة الغاز المسال في العالم. إضافة إلى ذلك كله، تعد المنطقة العربية سوقاً استهلاكياً كبيراً يشجع الصين على السعي للسيطرة عليه، خصوصاً في ظل وجود مشاريع تنموية كبيرة مثل مشروع المملكة 2030، والعاصمة الجديدة في مصر، والموانئ البحرية في عدد من الدول العربية، إضافة إلى مشاريع إعادة الإعمار في الدول التي شهدت حروباً ودماراً مثل سوريا. 

ويمكن أن نحدد أهداف بكين من القمة بما يلي:

على الصعيد الاقتصادي: 

– الحصول على عقود في مجال الطاقة مع عدد من الدول العربية، وترغب بكين في أن تكون هذه العقود طويلة الأجل كي لا تتأثر بالتغيرات السياسية.

– الفوز بمشاريع البنية التحتية، وخصوصاً في مجال البناء والطرق والجسور والموانئ البحرية. خصوصاً بعد نجاحها في تنفيذ كثير من المشاريع الخاصة بمونديال قطر 2022.

– التوسع في مشروع الحزام والطريق، وإعطاء الدول العربية الفقيرة القروض. طبعاً القروض ليست هبات، هي قروض يجب إعادتها، لكنها غير مربوطة بشروط سياسية مثل قروض صندوق النقد الدولي.

– تحسين سمعة المنتجات الصينية في المنطقة العربية، عبر ترويج فكرة “التنمية عالية الجودة” التي طرحها الرئيس الصيني في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي الصيني، والتي تعني التركيز مستقبلاً على الجودة لا على الكم.

– توطين صناعة السيارات الكهربائية الصينية، التي يزداد الطلب عليها عالمياً وعلى نحو كبير، وتشكل المنطقة العربية سوقاً مهمة لها.

أما على الصعيد السياسي، فستعمل بكين لإيجاد حل لبعض قضايا المنطقة فيما لو طلب منها ذلك، مثل: 

– حرب اليمن والتوسّط بين إيران والمملكة العربية السعودية، لضمان الاستقرار في منطقة الخليج العربي التي تتزايد المصالح الصينية فيها وعلى نحو كبير. وكانت بكين قد استضافت محادثات بين البلدين عامي 2015-2016. 

– حض الفلسطينيين والإسرائيليين على “حل الدولتين”، وقد طرحت بكين سابقاً مبادرات عدة في هذا الجانب. ففي ديسمبر/كانون الأول 2017، استضافت الصين “ندوة السلام الفلسطينية الإسرائيلية”. 

– محاولة إنهاء الصراع في سوريا، على أساس تطبيق القرار رقم 2254 والشروع في الحل السياسي طريقاً للبدء بعملية إعادة إعمار سوريا. وفي مايو/أيار 2018، كانت بكين قد استضافت الندوة الدولية حول القضايا السوريا.

أما على الصعيد العلمي والثقافي، فستعمل بكين على: 

– التوسع في تعليم اللغة الصينية في الدول العربية، حيث افتتح 20 معهداً كونفوشيوسياً في 13 دولة عربية حتى الآن، فضلاً عن 230 مدرسة وجامعة تعلم اللغة الصينية في العالم العربي.

– زيادة عدد المنح الدراسية التي تقدّمها الحكومة الصينية إلى الطلبة العرب في جميع الدول.

– التوسع في الإعلام الناطق باللغة العربية، وكذلك الانتشار من خلال مواقع التواصل الاجتماعي لمخاطبة أكبر شريحة ممكنة من الشعب العربي، وخصوصاً الشباب.

– محاولة تقديم النموذج الصيني للعولمة كبديل من العولمة الغربية القائمة على صراع الحضارات.

أما على الصعيد السياسي والأمني والعسكري، فستسعى بكين لـ:

– ترسيخ مبدأ احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهي السياسة التي تطبقها بكين في تعاملاتها مع الآخرين.

– تثبيت الدعم العربي لها في قضية تايوان، وخصوصاً في التصويت في المحافل الدولية.

– بيع كميات من الأسلحة لجميع دول المنطقة التي تحتاج إليها، من دون منح ميزات تفضيلية أو احتكار لإحدى تلك الدول.

– التركيز على الجانب التقني، ولا سيما ما يتعلق منه بالجيل الخامس الذي تسعى بكين لنشره في جميع دول العالم، على الرغم من المحاولات الأميركية لمنعها.

أما المملكة العربية السعودية، فإنها تسعى للتعاون مع الصين لأسباب عدة، منها:

– ما تعانيه السعودية من استدارة أميركية في التعاطي معها منذ وصول الرئيس بايدن إلى الحكم، الذي تعهد بعدم التعامل مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

– ونتيجة لرغبة سعودية وخليجية في تنويع الشراكات، وإدراكاً منها أن مستقبل العالم سيكون في آسيا وأن الصين هي قلب القارة الآسيوية. 

– ورغبة من المملكة في تقديم نفسها المفتاح إلى المنطقة العربية، خصوصاً في ظل تراجع دور مصر، وإضعاف سوريا والعراق في الشمال.

– ونتيجة للطفرة الاقتصادية وتزايد المكانة الإستراتيجية للمملكة وخصوصاً بعد الحرب في أوكرانيا.

– واستكمالاً لمشاريع التعاون بينها وبين الصين، ونتيجة لحاجة المملكة إلى التكنولوجيا الصينية لاستكمال خطة المملكة 2030.

– رغبة المملكة في تطوير شراكات إستراتيجية شاملة وتعاون في مجالات الطيران والتمويل والطاقة النووية. 

أما الصعوبات التي تواجه تلك القمة، فهي: 

– رغبة السعودية في الحصول على الأسلحة الصينية المتطورة، وهو ما لا تمانع فيه بكين. لكنها تمانع تعارض طلب السعودية عدم إعطاء تلك الأسلحة لدول أخرى، وخصوصاً إيران.

– رغبة المملكة في توطين صناعة الأسلحة، وخصوصاً الصواريخ، فيما تريد بكين بيع تلك الأسلحة فقط من دون نقل الخبرات إلى المملكة.

– هناك اختلاف في المواقف تجاه بعض القضايا مثل: الأزمة السورية، وعلاقة السعودية بالهند، والموقف السعودي من دعم الإيغور، وسوى ذلك من المواقف.

نرى مما تقدم أن أساس التعاون بين الصين والدول العربية لا يزال يرتكز إلى الجانب الاقتصادي، ولم يرتقِ بعد إلى مستوى الشراكات الإستراتيجية. 

وبكين شديدة الحذر تجاه مشكلات الشرق الأوسط، وذلك عائد إلى اعتبارات أهمها:

– تعتقد بكين أن قضايا الشرق الأوسط مستحيلة الحل، لأن أساس تلك المشكلات خارج عن إرادة حكومات المنطقة، وبالتالي فهي غير قادرة على إيجاد الحلول. 

– كما أن الصين خذلتها الدول العربية سابقاً، فبعد تأييدها الكبير للقضية الفلسطينية، وتقديم الدعم لها، والامتناع عن إقامة علاقات دبلوماسية مع “إسرائيل”، لم يشترط العرب عند مشاركتهم في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 دعوة الصين إلى المشاركة كطرف دولي، مع الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي.

– رفضت الصين إقامة علاقة بالكيان الصهيوني حتى عام 1992، عندما اعترف العرب جميعاً بـ “إسرائيل” كأمر واقع.

– أقامت دول عربية علاقة بـ”إسرائيل” وتبادلت معها السفراء قبل بكين.

– كانت “إسرائيل” قد اعترفت بجمهورية الصين الشعبية منذ عام 1950، فيما كانت الدول العربية تعترف بتايوان.

لهذه الأسباب وغيرها، ربما لا تكون بكين شديدة الحماسة للانسياق وراء العرب وتأييدهم في القضايا الدولية. ومن هنا، فعندما اتخذت بكين موقفاً من الحرب السورية، كانت تقف خلف روسيا وتدعمها بالتصويت إلى جانبها في مجلس الأمن، ولم تتخذ أي مواقف منفردة تتعلق بهذه القضية.

ويبقى التحدي الأكبر للقمة العربية الصينية هو:

–  قدرة الصين والدول العربية على الاتفاق على بيع النفط العربي باليوان الصيني بديلاً من الدولار، وهو ما يعني بداية نهاية سياسة البترودولار سيئة الصيت. 

– والقدرة على توقيع اتفاقيات أمنية مع الصين توفر لها موطئ قدم في المنطقة، لتكون بديلاً مستقبلياً من الولايات المتحدة الأميركية. خصوصاً في ظل حاجة الدول الخليجية إلى حلفاء، خصوصاً أنها تعيش حالاً من الانكشاف الإستراتيجي يجعلها غير قادرة على حماية نفسها.

– مشاركة الصين في توفير الممرات المائية وطرق التجارة الدولية، وخصوصاً في مضيق هرمز الذي يعد منطقة عالية الخطر.

وختاماً..

لن تكون الصين بديلاً من الولايات المتحدة، فأميركا كانت حليفاً إستراتيجياً موثوقاً به بالنسبة إلى الدول الخليجية. وحرب تحرير الكويت كانت دليلاً على ذلك. لذا فإن الفراغ الأميركي لا تستطيع الصين أن تملأه حالياً بكل تأكيد. وهو ما يفسر التوجه الخليجي إلى التطبيع مع “إسرائيل” التي يعتقدون أنها ستكون حليفاً لهم في مواجهة طهران إذا ما اقتضت الضرورة.

المصدر : الميادين